أحمد زكي صفوت

38

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ولا يستعين فيه إلا بالثّقات النّصّاح ، فإنّ ترك ذلك وأشباهه أحزم بتاركه من الاستعانة فيه بغير الثقة ، فتصير مغبّته للجهالة والكذب . ومما يذكر به أمير المؤمنين - أمتع اللّه به - أمر هذين المصرين « 1 » ، فإنهم - بعد أهل خراسان - أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعته ومعينيه ، مع اختلاطهم بأهل خراسان - وإنهم منهم وهامتهم « 2 » - ، وإنما ينظر أمير « 3 » المؤمنين منهم إلى صدق رابطتهم ، وما أراد معزّتة « 4 » من أمورهم استعان أهل خراسان في ذلك لهم ، مع الذي في ذلك من جمال الأمر ، واختلاط الناس بالناس ، العرب بالعجم ، وأهل خراسان بالمصرين . إن في أهل العراق يا أمير المؤمنين من الفقه والعفاف والألباب والألسنة ، شيئا لا يكاد يشكّ أنه ليس في جميع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه ، فلو أراد أمير المؤمنين أن يكتفى بهم في جميع ما يلتمس له أهل هذه الطّبقة من الناس ، رجونا أن يكون ذلك فيهم موجودا ، وقد أزرى بأهل العراق في تلك الطّبقة أن ولاة العراق فيما مضى كانوا أشرار الولاة ، وأن أعوانهم من أهل أمصارهم كذلك فحمل جميع أهل العراق على ما ظهر من أولئك الفسول « 5 » ، وتعلّق بذلك أعداؤهم من أهل الشام فنعوه « 6 » عليهم ، ثم كانت هذه الدولة فلم يتعلّق من دونكم من الوزراء والعمال إلّا بالأقرب فالأقرب مما دنا منهم ، أو وجدوه بسبيل شئ من الأمر ، فوقع رجال مواقع شائنة لجميع أهل العراق ، حيثما وقعوا من صحابة خليفة ، أو ولاية

--> ( 1 ) يعنى البصرة والكوفة . ( 2 ) هامة كل شئ : رأسه . ( 3 ) في الأصل « وإنما ينظر أمير المؤمنين منهم . . . . صدق ولرابطتهم أو ما أراد من أمورهم معرفته استثقال أهل خراسان ذلك لهم من أمرهم » والعبارة مضطربة محرفة ، وقد أصلحتها كما ترى . ( 4 ) أي تقويته من عز كضرب : إذا قوى بعد ذلة ، وأرى أن هذه الكلمة أنسب من كلمة « معرفته » الواردة في الأصل ، وبها ينسجم المعنى ، وربما كان الأصل « تقويته » . ( 5 ) الفسول جمع فسل بالفتح ؛ وهو الرذل الذي لا مروءة له . ( 6 ) نعى عليه ذنوبه ينعاها : أي أظهرها وشهرها .